ابن أبي الحديد

49

شرح نهج البلاغة

والخزرج شديدة . فانصرفا مسرعين ، وثبت الشيخ ولا حراك به ، فوقف المجذر بن زياد ، فقال : قد أمكن الله منك ! قال : ما تريد بي ؟ قال : قتلك . قال : فارفع عن الطعام ، واخفض عن الدماغ ، فإذا رجعت إلى أمك ، فقل : إني قتلت سويد بن الصامت . فقتله ، فكان قتله هو الذي هيج وقعة بعاث . فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة أسلم الحارث بن سويد بن الصامت ، وأسلم المجذر فشهدا بدرا ، فجعل الحارث بن سويد يطلب المجذر في المعركة ليقتله بأبيه ، فلا يقدر عليه يومئذ فلما كان يوم أحد وجال المسلمون تلك الجولة أتاه الحارث من خلفه فضرب عنقه ، فرجع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة ، ثم خرج إلى حمراء الأسد ، فلما رجع من حمراء الأسد أتاه جبرائيل عليه السلام ، فأخبره أن الحارث بن سويد قتل المجذر غيلة ، وأمره بقتله ، فركب رسول الله صلى الله عليه وآله إلى قباء في اليوم الذي أخبره جبرائيل في يوم حار - وكان ذلك يوما لا يركب فيه رسول الله صلى الله عليه وآله إلى قباء ، إنما كانت الأيام التي يأتي فيها رسول الله صلى الله عليه وآله قباء يوم السبت ويوم الاثنين - فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله مسجد قباء صلى فيه ما شاء الله أن يصلى ، وسمعت الأنصار فجاؤوا يسلمون عليه ، وأنكروا إتيانه تلك الساعة ، في ذلك اليوم . فجلس عليه السلام يتحدث ويتصفح الناس حتى طلع الحارث بن سويد في ملحفة مورسة ( 1 ) ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وآله دعا عويم بن ساعدة فقال له : قدم الحارث بن سويد إلى باب المسجد فاضرب عنقه بمجذر بن زياد ، فإنه قتله يوم أحد ، فأخذه عويم ، فقال الحارث : دعني أكلم رسول الله - ورسول الله صلى الله عليه وآله يريد أن يركب ، ودعا بحماره إلى باب المسجد - فجعل الحارث يقول : قد والله قتلته يا رسول الله وما كان قتلي إياه رجوعا عن الاسلام

--> ( 1 ) مورسة : مصبوغة بالورس وهو نبات باليمن معروف .